ابراهيم بن محمد البيهقي
305
المحاسن والمساوئ
وحدّث الأصمعيّ قال : دخلت ذات يوم على الرشيد فقال لي : اكتب يا أصمعيّ ولو على تكّتك أو طرف ثوبك : كن موسرا إن شئت أو معسرا * لا بدّ في الدّنيا من الهمّ وكلّما زادك في نعمة * زاد الّذي زادك في الغمّ قال : فكتبت البيتين . قال وقال الأصمعيّ : بينا أنا ذات يوم قد خرجت في الهاجرة والجو يلتهب ويتوقّد حرّا إذ أبصرت جارية سوداء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرّة فضّة تستقي فيها ماء وهي تردّد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان : حرّ وجد وحرّ هجر وحرّ * أيّ عيش يكون من ذا أمرّ قال فقلت لها : يا جارية ما شأنك ؟ فقالت : إني من دار أمير المؤمنين المأمون وأنا أحبّ عبدا له أسود وإنّه قد هجرني ولا أحسن أن أخرج سرّي إلى أحد . قال : فمضيت واستأذنت على المأمون ، وإذا هو نائم فأذن لي ، وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان . فدخلت عليه وهو في مرقده فقال : ما جاء بك يا أصمعيّ في هذا الوقت ؟ قلت : يا أمير المؤمنين تهب لي جاريتك السوداء وعبدك الأسود فلانا ؟ فقال : قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت . فخرجت من عنده وأحضرتهما وجمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوّجت الجارية من العبد ثمّ عدت إلى المأمون فقلت : يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني أريد الآن ما أجهّزهما به . فأمر لكلّ واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه . وحدّثنا عبد اللّه بن سلام قال : لما ولد العبّاس بن الفضل دخل الناس على الفضل بن يحيى يهنّئونه به وفيهم أبو النضير ، فوقف بين يديه وهو يقول : ويفرح بالمولود من آل برمك * بغاة النّدى والسّيف والرّمح والنصل وتنبسط الآمال فيه لفضله * . . . . . . . . . . . . . . . فأرتجع عليه فوقف لا يمكنه أن يجيزه . فقال له الفضل : يا أبا النضير تمّم ، قال : أعزّ اللّه الأمير . قال : ويحك فقل : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * ولا سيّما إن كان من ولد الفضل قال : هذا واللّه ، أصلح اللّه الأمير ، طلبته فلم أقدر عليه وتعلّلت بغيره . قال : وقيل لأبي العيناء : ما بال العمى قد صار في صغاركم وكباركم حتى إنّه يلحق